السيد عباس علي الموسوي

42

شرح نهج البلاغة

سخط العامة فالحاكم يجب أن يكون نظره متوجها نحو هذا الصنف فإنهم السد المنيع في وجه الأعداء والقوة الضاربة لكل شر وفساد وما اكتسب سلطان ودهم وعطفهم إلا ظفر وانتصر . ( وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس ، فإن في الناس عيوبا ، الوالي أحق من سترها ، فلا تكشفن عما غاب عنك منها ، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك . واللّه يحكم على ما غاب عنك ، فاستر العورة ما استطعت يستر اللّه منك ما تحب ستره من رعيتك . أطلق عن الناس عقدة كل حقد ، واقطع عنك سبب كل وتر ، وتغاب عن كل ما لا يصح لك ولا تعجلن إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاش ، وإن تشبه بالناصحين ) الطهر فضيلة ينشرها الإسلام ويطالب أبناءه بالتحلي بها ويؤكد عليها في المسؤولين الذين يتولون الأمور ويشكلون القدورة للناس ، وهذا الطهر والسمو والنظرة الصافية للرعية لا يكون إلا بارتفاع الحاكم عن سماع معايب الناس وكشف عوراتهم ، فإن ذلك بحسب الطبيعة البشرية يربي الحقد على الناس ويزرع في النفس شيئا من الاشمئزاز وهذا شيء واقع تحت التجربة ، ومن الأمور الوجدانية الصادقة فمن لا تعرف عنه شيئا تتلقاه بالبشر وطلاقة الوجه واللسان وأما من استمعت في حقه شيئا - ولم تصدقه - يخلق ذلك السماع في نفسك ولو مقدارا قليلا من الحذر نحوه وتتغير نفسيتك بعض الشيء فكيف إذا تكثر وتعدد وأضحى كل فرد من الناس يزرع حبة حقد في نفس الحاكم فإن نفسيته تفسد وظنونه تسيء وأحواله تتغير ، وهذا يشكل الطرف السيء الذي لا يريده الإسلام من الناس . . . إن الوالي مهمته أن يقيم الحدود إذا ظهرت دون أن يتقّصاها ويكشف ما غاب عنه منها ، فإن المعصية إذا لم يجاهر بها صاحبها فإنها لا تضر غير العامل بها ويكون العاصي المتستر في حصانة منيعة من هتك هذا الستر وهذا بخلاف المتجاهر الذي أماط بنفسه ستر حيائه وهتك نفسه بنفسه فإنه إذا ثبت عند الحاكم شيء من ذلك وجب أن يقيم عليه الحد ويردعه عن المعصية لأن المعصية إذا تجاهر بها صاحبها أصبحت أداة إفساد للمجتمع بجميع عناصره وهون هذا التجاهر من حرمتها حتى تغدو بعد فترة من الزمن وقد انتزع عنها لباس الحرمة وسهل اقتحامها . . . إن الإمام يوجه نصيحته إلى الوالي أن يبعد عن ساحته من يطلب معايب الناس فيبحث عنها ويفتش للحصول عليها فإن من كان دأبه أن يهتك أستار الناس فإن الناس فيها شيء من المعايب ، وإذا ظهر شيء من ذلك مما يمكن فيه العفو والستر فالوالي أحق من ستر وعفى لأنه مهذب النفوس ومربيها والأسوة في هذا المجال